تغطية: هاجر عزّوني
إن السياسات العمومية أصبحت مرتهنة لتدخل متعدد الأطراف ولعقلانية متوافق عليها ومتفاوض حولها، ولا تغليب لتصور على آخر ولمشروعية على أخرى إلا في مدى ارتباطها بالمصلحة العامة.
وعلى هذا الأساس فقد أقيمت المنتديات والملتقيات لتركيز آليات لتقييم السياسات العمومية من ذلك نجاعة التدخلات العمومية وانسجامها مع المصلحة العامة التي شهدت نقصا ممّا دعا إلى إرساء آليات تقييم جديدة تضمن هذه النجاعة وذلك من خلال تنظيم الدورة الثانية لمنتدى تونس الاقتصادي بالمعهد العربي لرؤساء المؤسسات بحضور مكثّف للساسة ورجال الأعمال ومكوّنات المجتمع المدني وخبراء في الاقتصاد والمالية وخبراء أجانب وهو ما مكّن من التطرق إلى عدة مواضيع من بينها التساؤل عن العوامل الداعية لإنجاح المسار التقييمي للسياسات العمومية ودعم نجاعته وفاعليّته من خلال التركيز على بسط مجموعة من الإجراءات لذلك.
فتمحور موضوع هذا المنتدى حول حوكمة السياسات العمومية والهيئات المكلفة بالاهتمام بها كما دعى المسؤولون إلى احداث وكالة مستقلة تختص في تقييم السياسات والبرامج العمومية دون أي ضغوطات سياسية.
ونظرا لأهمية هذا الموضوع استجلينا آراء بعض الحضور من سياسيين وخبراء ومسؤولين عن الجدوى من هذا التقييم ومدى فاعليّته والاجراءات التي لابدّ من اتّخاذها فكانت إجاباتهم كالتالي:
محمد الناصر (رئيس مجل نواب الشعب)
21إنّ أشغال هذا المنتدى التونسي الاقتصادي لهذه السنة نظّمه المعهد العربي لرؤساء المؤسسات حول موضوع «تقييم السياسات العمومية» إذ أنّ تدارس هذا الموضوع بالذات وأمام هذا المستوى من الخبرات التونسية والأجنبية يبرز بجلاء الأهمية التي تكتسيها مسألة التقييم في مختلف أشكالها وأنماطها في هذه المرحلة من بناء الدولة في تونس وذلك بدءا بمرحلة تصور وبناء السياسات العمومية ومناقشتها ودراسة الأثر المرجو منها، وصولا إلى مرحلة متابعة الانجاز وتقييم النتائج.
لذا فإنّ السياسات العمومية في قلب وظيفة الدولة وغاية وجود مؤسساتها، وهي تعبير ملموس عن النظام السياسي وهو في حالة فعل وحركة…
و من البديهي أنّ السياسات العمومية هي تجسيم للديمقراطية التشاركية القائمة على المساءلة والتقييم المتواصل للأداء وتحقيق الأهداف ونجاعة السياسات والعمل الحكومي.
ومن مزايا هذا المنتدى هو أنّه يقترن بمحطات مفصليّة في إدارة الشأن العام في بلادنا إبّان ثورة الحرية والكرامة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011. ذلك أن تونس التي أنجزت الانتقال الديمقراطي في إطار من الوفاق الوطني هي اليوم في طور بناء مؤسسات جديدة وإعداد سياسات بديلة على أساس استثمار وفاقنا الوطني وتحويله إلى عامل استقرار مشجع على تنمية شاملة ومستدامة.
وهو ما يستدعي هندسة جديدة لهذه السياسات ووضع الآليات والإجراءات الكفيلة بتقييم جدواها ونتائجها. لذلك لابدّ من التأكيد على تكامل وظيفة إنتاج السياسات العمومية مع وظيفة إنتاج التوافقات المجتمعية الذي يتولّاها مجلس نواب الشعب كما تتولّاها الهيئات السياسية ودوائر الفاعلين من خارج الدولة كالمنظمات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني، وذلك في إطار تشاركي يضمن مراقبة السياسات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها ويضمن تحقيق فاعليتها وتأثيرها الايجابي على المجتمع.
ويحتل البرلمان في هذا الطور الجديد من الممارسة السياسية في تونس موقعا متميّزا في البناء المؤسّسي الدستوري ودورا متقدّما وسلطات واسعة سواء في مجالات التشريع أو في مجال مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.
وفي هذا الصدد فإنّ النظام البرلماني المعدل الذي أنتجه الدستور والمنحى التشاركي للديمقراطية التونسية الناشئة يدعونا جميعا لإبراز دور البرلمان كفضاء للتواصل بين مختلف الفاعلين ورسم السياسات العمومية وتحليلها ومناقشتها ومراقبة تنفيذها وتقييم نتائجها.
و على هذا الأساس فقد أحدث مجلس نواب الشعب لجانا قطاعية تتابع نشاط كل الهياكل الحكومية والمؤسسات الراجعة لها بالنظر، وهي تهدف إلى القيام بوظائف التقييم والمساءلة.
وبالتالي فإنّ تقييم السياسات العمومية يمرّ حتما في مرحلة أولى عبر تقييم الجدوى من وضع هذه السياسات في علاقة باستجابتها لاحتياجات ولتطلعات المواطنين والقدرة على تلبية طلباتهم، وهو ما يضطلع به المجلس بالخصوص عند المصادقة على ميزانية الدولة وعلى مخططات التنمية.
وهو ما يقتضي كذلك في مرحلة ثانية تقييم السياسات حسب تقدم إنجازها مما يستوجب بالضرورة المتابعة والمراقبة المتزامنة كما يتطلب تقييم الإنجازات في علاقة بالأهداف المرسومة والموارد التي تم تخصيصها لبلوغها.
وانطلاقا من وعينا بأهمية مسألة تقييم السياسات العمومية بناء على تجربة تونسية ساهمت في نحتها مؤسسات الدولة المختصة في هذا المجال كدائرة المحاسبات وهيئات الرقابة العامة والهيئات الملحقة برئاسة الحكومة ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، فإنّ الحاجة اليوم تتأكد لبناء منظومة وطنية متكاملة للتقييم على قاعدة الشراكة والتعاون لغاية بلوغ أرفع مستويات الأداء والجدوى والفاعلية في التصرف العمومي وفقا لمناهج علمية مضبوطة.
وهذا المنتدى فرصة للنقاش البنّاء والحوار المعمّق حول هذا الموضوع الهام لتعود حصيلة الأشغال بالثراء المعهود لمساهمات المعهد العربي لرؤساء المؤسسات في دعم حوكمة المؤسسات الخاصة والعمومية وبما يساهم في بناء منظومة وطنية لتقييم السياسات العمومية في مستوى آمال كل التونسيين.
راشد الغنوشي (رئيس حركة النهضة)
يعاني الاقتصاد التونسي من عدّة صعوبات وعوائق إلاّ أنّ هناك آفاق مفتوحة أمامه للنمو وهناك عزم كبير على تطوير التشريعات والعزم على فتح أسواق جديدة وخاصة بعد التطورات الحاصلة في ليبيا ونحن مستبشرون بمستقبل اقتصادي لأنّ الشعب الذي صنع هذه الثورة العظيمة وصنع الاستثناء الديمقراطي قادر على تحويل هذه الثورة إلى ثروة لتوفير فرص للشغل.
محسن مرزوق (رئيس حزب مشروع تونس)
مسألة تقييم السياسات العمومية على درجة من الأهمية إذ لا يمكن تطوير سياسات حقيقية وفاعلة ولا يمكن أن تكون ذات مصداقية إن لم توجد قدرات لتقييمها لذا لابدّ أن يكون التقييم مستقل حكوميّا، لأنّ الأساس في النهوض بالسياسات في العالم يكمن في القدرة على تقييم جدواها بعد فترات قصيرة من تطبيقها والتقييم النهائي عندما تنتهي الدورة الأولى من تطبيق السياسات على مستوى النجاعة والمردودية فما هو مطلوب الآن في تونس هو القدرة على الانجاز والتنفيذ لأنّ كثرة الكلام والتخطيط والتصوّرات غير كافية ولا كفيلة دون انجاز وهذا ليس اتهام بتقاعس المسؤولين بل هو تأكيد على أننا في فترة انتقالية تستوجب انجاز التصورات لهذه السياسات وتفعيلها ودعم ثقة المواطن بالحكومة.
كما يستوجب على الحكومة الشرح والتفسير للمواطن التونسي خاصة في مسألة الاقتراض نظرا للاقتراض دون تفكير في العواقب لذا لابدّ من الحذر لأنّ هذا المنوال من الاقتراض يسير بالبلاد إلى ما لا يُحمد عقباه.
وداد بوشماوي (رئيسة منظمة الأعراف)
من خلال هذه السياسات لابدّ من احترام القانون واحترامه يكمن في تكاتف الجهود إلاّ أنّ هناك تراخ في تطبيق الإصلاحات العاجلة على المستوى الاقتصادي وتحسين مناخ الاستثمار في البلاد بالرغم من مطالبة المنظمة في أكثر من مناسبة بإعلان حالة الطوارئ الاقتصادية، ونحن هنا في تونس نعيش في سوق منفتحة وقد اتخذنا قرار أنه كما نصدّر منتجات تونسية فنحن أيضا نورّد منتجات من الخارج إلاّ أنّ إغراق السوق بالمنتجات الأجنبية غير وارد لأنّ هناك حملة تشجيع على المنتج التونسي الذي لابدّ له أن يكون ذو جودة عالية ولذلك فالاتحاد يتشاور حاليا مع كل الأطراف المتداخلة بخصوص صياغة مشروع قانون مجلة الاستثمار بشكل يتماشى مع متطلبات سوق الشغل.
مصطفى كمال النابلي (محافظ البنك المركزي سابقا)
إنّ ثقافة التقييم في تونس غير موجودة في مسألة السياسات العمومية وفي النشاط السياسي بصفة عامة وهذا الملتقى أُعدّ للبحث في كيفية تطوير هذا المفهوم في تونس من خلال كيفية تقييم السياسات العمومية وكيف تكون الإصلاحات مبنية على المعرفة والقدرة على النجاح.
إذا قمنا بسياسة ما لابدّ من معرفة إلى أيّ مدى تمّ نجاحها لإمكانية تطويرها ومقاومة عدم نجاحها وهذا من أساسيات التنمية وتقييم السياسات هي مسألة هامة وضرورية وأساسية وتطويرها وتدعيمها هي من أهم الأشياء ومن الأولويات وخاصة في مجال التربية والصحة والتشغيل لا بدّ من التأكّد من مدى نجاح ونجاعة أي سياسة ما لإمكانية تطويرها لذا لابدّ من تكريس ثقافة التقييم وإدراجها في العمل اليومي.
وبالنسبة إلى منتدى المستقبل فقد شدّد على ضرورة التوصل إلى وفاق واسع النطاق حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى لدعم المسار الديمقراطي في تونس وتكون هذه الخيارات محل وفاق من طرف كل الفاعلين السياسيين والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمجتمع المدني وترسم الخطوط العريضة لمعالم طريق الإصلاح والإقلاع الاقتصادي والرقي الاجتماعي. ويبقى المجال كاملا للتنافس السياسي بين الأحزاب في إطار هذه الخيارات المتفق عليها وإرساء مسار جديد للتنمية الشاملة قادر على الترفيع من نسبة النمو واستحثاث نسق نمو الإنتاجية مما يستوجب زيادة هامة في حجم الاستثمار الوطني وإصلاحات عميقة على مستوى المؤسسات العمومية والخاصة من جهة، وتحسين أداء المجتمع ومؤسساته في الاستخدام الأمثل للقدرات والإمكانات المتاحة بالبلاد من جهة أخرى. وفي غياب ذلك فستبقى نسبة النمو الجملي ضعيفة ولن تتعدى في أحسن الأحوال 2,5 %.
أحمد بوزقندة (رئيس المعهد العربي لرؤساء المؤسسات)
إنّ موضوع تقييم السياسات العمومية اليوم أردنا وضعه في إطاره مع العلم أنه إثر الانتخابات انطلقنا في إعادة النظر في عديد السياسات العمومية التي حدثت قبلا والانطلاق في الإصلاحات تقريبا في كل المجالات لتحقيق فرص شغل لكل الأفراد والآن يُطرح علينا سؤال مدى تحقيق هذه السياسات العمومية لأهدافها وكيفية تقييمها من خلال نجاعتها والموارد التي خُصّصت لها ولابدّ لهذا التقييم أن يكون موضوعيّا ومستقلّا وأن يكون أصحاب هذا التقييم يكونوا مختصّين وذوي كفاءة عالية إضافة إلى استئناسنا ببعض التجارب الأجنبية من خلال بعض الضيوف الأجانب بهذا المنتدى المالكين لبعض التصورات لهذه المسألة.
هناك بعض البلدان اختارت أن تكون هذه اللجنة أو الهيئة لتقييم السياسات العمومية تابعة للجهاز التنفيذي وبعض البلدان الأخرى تقول أنها تابعة للمجلس التشريعي أي مجلس الشعب وبعض البلدان الأخرى كوّنوا لها هيئة مستقلة وهذه ضمن مجموعة التجارب التي عُرضت في هذا المنتدى ونحن ما زلنا في أول الطريق ولكن هدفنا هو طرح هذه المسألة والحوارات بهذا المنتدى تدور حول بعض الأمثلة مثل سياسات التشغيل والتي نحاول تقييمها عبر الطريقة النظرية الموجودة وإن حقّقت أهدافها أم لا وكم تكلفتها وكذلك تقييم الإصلاح الموجود الآن والمتمثل في مجلة الاستثمار لأنّ التقييم يمكنه أن يكون إثر الإصلاح أو حتى قبل الشروع فيه من خلال تقييم شروطه وفرضيّاته إلى جانب كذلك الإصلاح البنكي.
في إطار منتدى تونس الاقتصادي قرّر المعهد العربي لرؤساء المؤسسات أن يقدّم كل سنة تقريرا إلى وسائل الإعلام حول القدرة التنافسية لاقتصادنا وهي قراءة تُمهّد الطريق نحو تقليد جديد، هو تقييم القدرة التنافسية من خلال تسليط الضوء على تراتيب وضعية تونس في التقارير العالمية المختلفة.
رؤوف بن دبّة (رئيس الحجرة الألمانية التونسية للصناعة والتجارة)
بالنسبة لقوانين الاستثمار في تونس نُظّمت ندوة الأسبوع الفارط مع رئيس الحكومة وتحدّثنا عن كلّ ما يهم الشركات الألمانية في تونس وأهم الإشكاليات ومن بينها هناك المشاكل الإدارية ففي صورة عدم وجود إدارة لا يمكن وجود استثمار وإذا أردنا الاستثمار فلابدّ من وجود أرضية متاحة للشركات الألمانية فيما يخص الديوانة والموانئ فمثلا ميناء رادس غير قادر على استيعاب عدد كبير، كذلك هناك البنية التحتية غير المهيّئة إلى جانب مجلة الاستثمار التي تحثّ على وجود حوافز للتشجيع على الاستثمار الأجنبي بالبلاد وأنا لا أتحدث من منطلق الغرفة بل من منطلق الشركات الألمانية المستثمرة ولكن أؤكّد أن الاستثمار مرتبط بالبنية التحتية لتفادي العوائق. في شهر ماي المقبل لنا لقاءات مع شركات ألمانية ونحن ننتظر بعث مجلة الاستثمار للسير على منوال الاستثمارات المزمع إحداثها خاصة في قطاع السيارات إلى جانب قطاع الكهرباء.